حادثةُ الإسراءِ والمعراجِ فوائد وعبر
الحمد لله رب العالمين والصلاةُ والسلامُ عل ى خاتم النبيين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله أما بعد، ،
المقدّمـة
فلا شك أن حادثة الإسراء والمعراج من أعظم الأحداث التاريخية التي اعتنى بها علماءُ الإسلام من حيثُ تاريخها، وذكرِ مشاهدها، ورواية أحاديثها، وذكرِ عقيدة السلف الصالح فيها. ونظراً لانتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة في إثبات بعض مشاهد الإسراء والمعراج ممَّا أدى إلى التصاق هذه المشاهدَ بعقول كثيرٍ من الناس لعدم قدرتهم على التمييز بين صحيح الروايات وضعيفها، ونظراً لإنكار بعض المسلمين لبعض الأحاديث الصحيحة التي تثبت بعضَ المشاهد في الإسراء والمعراج، ورغبة في بيان موقف أهل السنّة والجماعة من الإيمان بهـا. أردتُ الحديث في هذا الموضوع المهم وحسب النقاط التالية:
1- الأدلّةُ النقلية على حدوث الإسراء والمعراج.
2- عقيدة أهلِ السنّة والجماعة، السلفِ الصالح في الإسراء والمعراج.
3- التاريخ الزماني والمكاني للإسراء والمعراج.
4- معجزة شَقِّ صدرِ النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإسراءِ به.
5- مشاهـدُ النبي صلى الله عليه وسلم في الإسـراء.
6- مشاهـدُ النبي صلى الله عليه وسلم في المعـراج.
7- ما أوُتيَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في معراجه من نعم ومعجزات.
8- حقيقة الإسراء والمعراج بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة وبالجسد والروح معاً وفي ليلة واحدة.
9- الحكم والدروس المستفادة من الإسراء والمعراج.
10- ما قيل في إحياء ذكرى الإسراء والمعراج.
11-بعضُ الآثارِ الضعيفةِ والموضوعة المتعلقة بحادثة الإسراء والمعراج.
12-كتبٌ لا أصل لها في قصة الإسراء والمعراج.
13- نص قصة الإسراء والمعراج من صحيح السنّةِ كاملةً
1) الأدلّةُ النقليةُ على حدوث الإسراء والمعراج : الكتاب والسنّة والإجماع.
1- قال الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ ١ ﴾) [الإسراء:1].
2- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أُتيتُ بالبراقِ فركبتُهُ حتى أتيتُ بيت المقدس.. إلخ » ( [1] ).
3- حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « فُرج عن سقف بيتي وأنا بمكّة فنزل جبريلُ ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم...إلخ » ( [2] ).
وقد ذهب بعضُ العلماء إلى القول بتواتر الأحاديث الواردة في قصة الإسراء والمعراج ( [3] ).
2- عقيدةُ أهلِ السنّةِ السلفِ الصالح في الإسراء والمعراج: وحكم الإيمانِ بها:
الإيمانُ بالإسراء والمعراج واجبٌ على كل مسلم ومسلمة على النحو الذي جاءت به الآياتُ القرآنية والأحاديثُ النبويّة الصحيحةُ، ولا يقالُ كيف ذلك؟ ولا لمَ ذلك؟ قال الطحاويُّ رحمه الله: والمعراجُ حقٌ وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وعُرجَ بشخصه في اليقظةِ إلى السماء، ثم إلى حيثُ شاء اللهُ من العُلاَ، وأكرمه اللهُ بما شاء وأوحى إليه ما أوحى ( [4] ).
3- التاريخُ الزمانيُّ والمكانيُّ للإسراءِ والمعراج:
*أما التاريخ الزمانيُّ للإسراء والمعراج فهو بعد البعثةِ وقبل الهجرة بسنةٍ إلى سنةٍ ونصف على خلاف وفيه فرضت الصلاةُ ولم يقم دليلٌ صحيحٌ على شهرِها ولا يومها كما سيأتي. قال ابنُ تيمي ة رحمه الله (لم يقم دليلٌ معلومٌ لا على شهرها ولا عَشْرها ولا على عينها، بل النقولُ في ذلك منقطعةٌ مختلفةٌ ليس فيها ما يُقطعُ به) وقال أيضاً: ولا كان الصحابةُ والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلةِ الإسراء بأمرٍ من الأمور، ولا يذكرونها، ولهذا لا يُعرفُ أيُّ ليلةٍ كانت ( [5] ) .
قال ابنُ الجوزي رحمه الله: إن الإسراء كانَ قبل الهجرة بسنةٍ بعد موت خديجة ( [6] ).
*أما التاريخ المكاني للإسراء والمعراج: أي مكان حدوثه، فبالإجماع أنه مكَّة، والمعراج من بيت المقدس لحديث ابنُ عباس رضي الله عنه: فركبتُه حتى أتيتُ بيت المقدس، ولكن اختلفوا أين في مكَّة؟ والراجحُ أنه أسريَ به صلى الله عليه وسلم من بيتهِ بمكَّة لحديث أبي ذرِّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « فُرج عن سقفِ بيتي وأنا بمكّة، فنزل جبريلُ، ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم … إلخ » ( [7] ).
وهذا الحديث مخصصٌ لقوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الإسراء:1]، وقيل: أنه أسري به من بيت أم هاني والحديث منكر، وقيل: من بيت خديجة، والحديثُ موضوعٌ، وقيل: من شعب أبي طالب، والحديث موضوعٌ، وقيل: بين الركن والمقام وهو قولٌ ضعيف. والله أعلم.
4- معجزةُ شَقَّ صدرهِ صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء به:
والصوابُ الذي دلّت عليه الأحاديثُ الصحيحة أن شَقَّ الصدر وقع مرتين:
الأولى: وهو صغيرٌ عند حاضنته حليمةِ السعديّة رضي الله عنها كما في حديث أنسٍ رضي الله عنه عند مسلم، قال أنسٌ رضي الله عنه: وقد كنتُ أرى أثرَ ذلك المِخَيطِ في صَدْره ( [8] ) .
وكانَ في ذلك استخراجُ حظ الشيطانِ من قلبه ولذلك حفظهُ الله قبل بعثتهِ من منكرات الأفعال وقبائح الأعمال.
الثانية: فعند الإسراء به صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ( [9] ) ، وفي هذه المرَّةِ غُسل قلبُه بماء زمزم، ثم أُعيد مكانَه بعد أن حُشي إيماناً وحكمةً.
وهذا الذي ذُكر في الأحاديث الصحيحة من شَقِّ صدره صلى الله عليه وسلم أولاً وثانياً، ممَّا يجبُ التصديقُ به والتسليمُ به على الوجه الذي ورد فلا يستحيلُ مثل ذلك مع قدرة الله تعالى.
5- مشاهدُ النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء :
قد وردت الأحاديثُ الصحيحةُ بإثبات جملةً من المشاهد خلال الإسراء إلى بيت المقدس منها:
1-البُراق: اسم الدابة التي ركبها رسول الله ليلة الإسراء. قال النوويُّ رحمه الله: قــال ابنُ دريد: اشتقاق البراق من البرق إن شاء اللهُ تعالى – يعنى لسرعته ( [10] ) ، وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أُتيتُ بالبراق: وهو دابة أبيضُ طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه...الحديث ( [11] ).
2- رؤيتُه بيتَ المقدس وصلاتُه بالأنبياء صلواتُ اللهِ عليهم فيه: والإسراءُ إلى بيت المقدس بدليل الآية والأحاديث والإجماع، ففي حديث أنس رضي الله عنه: « حتى أتيتُ بيت المقدس ، قال: فربطته بالحلقةِ التي يربط به الأنبياء ، قال: ثم دخلتُ المسجدَ فصلّيتُ فيه ركعتين » ( [12] ). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: « وقد رأيتني في جماعةٍ من الأنبياء... فحانت الصلاةُ فأممتُهم ( [13] ).
3- رؤيتُه الأنبياء عليهم السلامُ ووصفُه لهم: في الأحاديث السابقة وصف بعض الأنبياء: قال: رأيتُ إبراهيم فإذا أقربُ مَنْ رأيتُ به شَبَهاً صاحبَكم ( [14] ). وقال عن موسى عليه السلام: مضطربٌ، رَجَلُ الرأس، آدمُ طُوال، ضربٌ من الرجال، وكأنه من رجالٍ شنوءة ( [15] ). وقال عن عيسى: ربعةٌ، سبطٌ الرأس أحمر، أقربُ من رأيتُ به شَبَهاً عُروةُ بنُ مسعود ( [16] ). وقال عن يوسف: إذا هو قد أُعطيَ شطرَ الحُسْن .
4-تخييـرُهُ صلى الله عليه وسلم بين الخمر واللبن: بعد خروجه من بيت المقدس جاءه جبريلُ عليه السلام بإناءٍ من خمرٍ، وإناءٍ من لبن، فاختار إناءَ اللبن، فقال جبريلُ: اخترتَ الفطرة، ثم عُرج بهم إلى السماء ( [17] ).
6- مشاهدُهُ صلى الله عليه وسلم في المعراج:
بعد ركوبِه البراقَ ورؤيتهِ لبيت المقدس وصلاتِه بالأنبياء وتخييره بين الخمر واللبن: عَرَجَ به جبريلُ عليه السلام إلى السموات العُلى، ولم يرد في الكتاب والسنّة ما يدلنا على طريقةِ عروجهما وكيفيتِها أو أي نحو سارا عليه. فما هي المشاهد التي شاهدها في معراجه؟
1- السماء الدنيا: الأولى: في حديث أبي ذر رضي الله عنه أن جبريلَ عليه السلام استفتح السماء الدنيا، ففُتح لهما، فشاهدا آدم عليه السلام وعلى يمينه أرواحُ بنيهِ من أهل الجنّة، وعلى يساره أرواحُ بنيهِ من أهل النّار ( [18] ).
2-السماء الثانية: في حديث أنس رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام استفتح، فوجدا عيسى ويحي بن زكريا عليهما السلام ( [19] ).
3- السماء الثالثة: وفي حديث أنس رضي الله عنه أن جبريل استفتح، فوجدا يوسف عليه السلام.
4-السماء الرابعة: وفي حديث أنس رضي الله عنه أن جبريل استفتح، فوجدا إدريس عليه السلام.
5- السماء الخامسة: وفي حديث أنس رضي الله عنه أنهما وجدا هارون عليه السلام.
6- السماء السادسة: وفي حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه أنهما وجدا موسى عليه السلام ( [20] ) .
7- السماء السابعة: وفي حديث أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهرُه إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخلُه كلُّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ( [21] ).
8- سدرة المنتهى: وهي شجرةٌ في السماء السابعة، نبقُها كأنه قلالُ هَجَر، وورقها كأنه آذانُ الفيلة، وفي أصلها أربعةُ أنهار، يسيرُ الراكبُ في ظل الفنن منها مائة سنة ( [22] ) .
9- ومن مشاهده في المعراج: رؤيته جبريلَ عليه السلام على صورته: رأى جبريل عليه السلام على صورته وله ستمائة جناح، ينتشر من ريشهِ التهاويلُ من الدرِّ والياقوت ( [23] ).
10- سماعُه صريف الأقلام: كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه المتفق عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثم عرج بي، حتى ظهرتُ لمستوى أسمع فيه صريفَ الأقلام » أي أقلام الملائكة وهم يكتبون أقضيةَ الله على عباده.
11- رؤيتُهُ الجنّةَ: كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه المتفق عليه قال: « فإذا فيها حبائلُ اللؤلؤ وإذا ترابها المسكُ » .
12- رؤيتُه النارَ ووعدَ الآخرة ( [24] ).
13-رؤيتُه الدجالَ ومالكَ خازنَ النّار: كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه ( [25] ).
14-هل رأى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ربَّهُ؟ اختلف السلفُ في ذلك على قولين. وثبت عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رأيت ربي عزّ وجلَّ » ( [26] ) وكذلك ثبت عنه أنه قال: رآهُ بفؤاده.
قال ابنُ تيمية رحمه الله : وقد صحَّ عنه أنه قال: « رأيت ربي تبارك وتعالى » ، ولكن لم يكن في الإسراء، ولكن كانَ في المدينة ( [27] ) .
فرضُ الصلوات الخمس في المعراج: ثبت في حديث أنس قوله صلى الله عليه وسلم « ففرض عليَّ خمسين صلاةٍ في كل يوم وليلة، فنزلتُ إلى موسى … حتى قال: يا محمد؟ إنهم خمسُ صلوات كلَّ يوم وليلة، لكل صلاةٍ عشرٌ فذلك خمسون صلاة » ( [28] ) .
7- ما أوتيَهُ النبيُّ في معراجِه من أشياءَ:
في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: فأعطي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: الصلواتُ الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفرِ لمن لم يشرك من أمتهِ شيئاً من المقحمات ( [29] ). قال النوويُّ رحمه الله: المقحمِات: معناها الذنوب العظام والكبائر التي تُهلك أصحابِها وتقحمهم النّار ( [30] ) .
8- حقيقةُ الإسراء والمعراج بالنبي في اليقظةِ وبالجسد والروح معاً وفي ليلةٍ واحدة:
قال القاضي عياض رحمه الله: الحقُّ الذي عليه أكثرُ الناس، ومعظمُ السلف، وعامّةُ المتأخرين من الفقهاء والمحدثين أنّه أسرى بجسده صلى الله عليه وسلم ، والآثار تدلُ عليه لمن طالعها وبحث عنها ( [31] ) ، وإعلامه صلى الله عليه وسلم للمشركين بإسرائه، واستغرابهم لا يكون إلاّ إذا كانَ الإسراءُ بالجسد والروح معاً، وقوله: « إنِّى أُسري بي الليلة » يدلُ على أن ذلك وقع في ليلة واحدة، والإسراءُ والمعراجُ وقعا مرةً واحدة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.
9- الحكمُ والدروسُ المستفادة من الإسراء والمعراج:
1- في الإسراء إلى بيت المقدس دليلٌ بّينٌ على فضل هذه الأرض المقدّسة.
2- الإيمان بكل ما ثبت في الإسراء والمعراج فيه زيادةٌ لإيمان المؤمن، وزيادةٌ في شقاء الجاحد والمعاند.
3- الحكمة من ربطِ البراقِ بالحلقة عند المسجد الأقصى فيه دليلٌ على أهمية الاحتياط في كل الأمور والأخذِ بالأسباب وترك التواكل المذموم، قال النوويُّ رحمه الله في ربط البراقِ: الأخذُ بالاحتياط في الأمور، وتعاطى الأسباب وأن ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى ( [32] ).
4- الحكمة من صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في بيت المقدس هي بيان فضله عليهم.
5- وكذلك عروجه إلى سدرة المنتهى وأعلى منها، دليلٌ على علوِّ منزلتِه صلى الله عليه وسلم .
6- رؤيتُه صلى الله عليه وسلم الجنّةَ والنّارَ فيه دليلٌ على أنهما مخلوقتان موجودتان الآن، واللـه أعلـم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق