الجمعة، 23 فبراير 2018

قصة وعبرة: "من التاريخ الإسلامي قصة الثوب الأحمر"

قصة الثوب الأحمر

بينما المنصور في الطواف بالبيت ليلاً إذ سمع قائلاً يقول : اللهم ! إني أشكو اليك ظهور البغي والفساد في الأرض , وما يحول بين الحق وأهله من الطمع .
فجزع المنصور فجلس بناحية من المسجد وأرسل إلى الرجل فصلى ركعتين واستلم الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة .



فقال المنصور : ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض ؟ وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع ؟ فو الله لقد حشوتَ { ملأت } مسامعي ما أمرضني

.
فقال : إن أمنتني يا أمير المؤمنين ! أعلمتك بالأمور من أصولها وإلا احتجزت (أي انعزلت عنك أو حبست ما عندي عنك ) منك واقتصرت على نفسي فلي فيها شاغل .


قال : فأنت آمن على نفسك فقل .
فقال : يا أمير المؤمنين ! إن الذي دخله الطمع , وحال بينه وبين ما ظهر في الأرض من الفساد والبغي لأنت .



فقال : فكيف ذلك ؟ ويحك يدخلني الطمع والصفراء { أي الذهب والفضة } والبيضاء في قبضتي والحلو والحامض عندي ؟

قال : وهل دخل أحداً من الطمع ما دخلك! إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم فأغفلت أمورهم , واهتممت بجمع أموالهم , وجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجص والآجر وأبواباً من الحديد , وحراساً معهم السلاح , ثم سجنت نفسك عنهم فيها , وبعثت عمالك في جبايات الأموال وجمعها , وأمرت أن لا يدخل عليك أحد من الرجال إلا فلان وفلان نفراً سميتهم , ولا تأمر بإيصال المظلوم , ولا الملهوف ولا الجائع العاري إليك , ولا أحد إلا وله في هذا المال حق .



فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك , وآثرتهم على رعيتك ,وأمرت أن لايحجبوا دونك تجبي الأموال وتجمعها , قالوا هذا قد خان الله فما لنا لانخونه . فائتمروا أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا , ولا يخرج لك عامل إلا خونوه عندك ونفوه حتى تسقط منزلته عندك .
فلما انتشر ذلك عنك وعنهم وأعظمهم الناس , وهابوهم وصانعوهم فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك . ثم فعل ذلك ذو المقدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم . فامتلأت بلاد الله بالطمع ظلماً وبغياً وفساداً . وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل . فإن جاء متظلم حيل بينك وبينه فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك وأوقفت للناس رجلاً ينظرفي مظالهم .



فإن جاء ذلك المتظلم فبلغ بطانتك خبره , سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك , فلا يزال المظلوم يختلف إليه , ويلوذ به , ويشكو ويستغيث , وهو يدفعه . فإذا أجهد وأحرج ثم ظهرت صرخ بين يديك فيضرب ضربا مبرحا يكون نكالا ( عبرة لغيره ) وأنت تنظر فما تنكر , فما بقاء الإسلام ؟
وقد كنت يا أمير المؤمنين ! أسافر إلى الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه فبكى يوماً بكاءاً شديداً فحثه جلساؤه على الصبر فقال : أما إني لست أبكي للبلية النازلة ولكني أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته , ثم قال : أما إذا قد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب . نادوا في الناس أن لا يلبس ثوباً أحمر إلا متظلم , ثم كان يركب الفيل طرفي النهار وينظر هل يرى مظلوماً.



فهذا يا أمير المؤمنين ! مشرك بالله بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ ، وأنت مؤمن بالله من أهل بيته لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك . فإن كنت إنما تجمع المال لولدك فقد أراك الله عبراً في الطفل يسقط من بطن أمه ماله على الأرض مال . وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس له ، ولست الذي تعطي بل الله تعالى يعطي من يشاء ما يشاء .


فإن قلت : إنما تجمع المال لشد يد السلطان فقد أراك الله في بني أمية ما أغنى عنهم جمعهم من الذهب وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع {بضم الكاف اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير } حين أراد الله بهم ما أراد .
وإن قلت : إنما تجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها فوالله ما فوق ماأنت فيه إلا منزلة ما تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه . يا أمير المؤمنين ! هل يعاقب من عصاك بأشد من القتل ؟


فقال المنصور : لا . فقال : فكيف تصنع بالملك الذي خولك ملك الدنيا وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن بالخلود في العذاب الأليم . قد رأى ما عقد قلبك , وعملته جوارحك , ونظر إليه بصرك , واجترحته يداك , ومشت إليه رجلاك , هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك , ودعاك إلى الحساب ؟


قال : فبكى المنصور ثم قال : ليتني لم أخلق ويحك كيف أحتال لنفسي ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ! إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ويرضون بهم في دنياهم فاجعلهم بطانتك يرشدوك . وشاورهم في أمرك يسددوك .

قال : قد بعثت إليهم فهربوا مني . قال : خافوك أن تحملهم على طريقتك ولكن افتح بابك , وسهل حجابك , وانصر المظلوم , واقمع الظالم , وخذ الفيء والصدقات على حلها , واقسمها بالحق والعدل على أهلها وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة .


وجاء المؤذنون فآذنوه بالصلاة فصلى وعاد إلى مجلسه وطلب الرجل فلم يوجد.

من كتاب المنتظم لتاريخ الأمم والملوك لإبن الجوزي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق