الجمعة، 29 سبتمبر 2017

حكم صيام يوم السبت

لحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد: فهذا تفريغ
لفتوى الشيخ الفقيه سليمان بن سليم الله الرحيلي حفظه الله وبارك فيه فى مسألة صيام السبت في غير الفرض مع عزو الأحاديث إلى مصادرها فنسأل الله جل وعلا الإخلاص فى القول والعمل.
قال الشيخ :
الوقفة الثَّانية مِمَّا ورد النَّهي عن صيامِه تطوُّعًا يوم السَّبت، وهذا الموضوع أشغل النَّاس؛ لأنَّ الإمام المُحدِّث الَّذي ملأ الدُّنيا علمًا وعقيدةً، وفقهًا وحديثًا، وسُنَّةً، الإمام الألبانيَّ رحمه اللهُ أثار هذه المسألةَ، وناقشها بطريقته.
والإمام الألبانيُّ لِمَن لا يعرفه هو مِن أقوى النَّاس حُجَّة، أنا دائمًا عندما أستمع لأشرطة الشَّيخ أُشفِقُ على الَّذين يُناقِشون الشَّيخَ؛ لأنَّ الشَّيخ رحمه الله قويُّ الحُجَّة، وعنده مُكنة مِن الحديث والأصول، فلمَّا أظهر الشَّيخ حُرمة صيام يوم السَّبت حتَّى لو وافق عرفة لو وافق عاشوراء وناقش هذا شغل النَّاس بهذه المسألة ولذلك أحببتُ أنْ أذكُرها لكم فقهًا.
فقد ورد عن عبد الله بن بُسر عن أُخته أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (لا تصوموا يوم السَّبت إلاَّ فيما افترض اللهُ عليكم، فإنْ لم يجد أحدُكم إلاَّ لِحاءَ عِنبة أو عود شجرة فليمضغه) رواهُ أحمد[1] وأبو داود[2] والتِّرمذِّيُّ[3] وابن ماجه[4]
النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هُنا قال: (لا تصوموا يوم السَّبت) وهذا نهيٌ، ثُمَّ أكَّد هذا فقال:يعني معنًى- فإنْ كان أحدُكم صائمًا فليُفطرْ حتَّى لو لم يجد إلاَّ عود شجرة ، لِحاء شجرة يقطعه فيمصُّهُ مْن أجل أنْ يُفطر.
وقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث اختلافًا كبيرًا جدًا، فمِن أهل العلم مَن قال إنَّه ضعيفٌ، بل قال الإمام مالكٌ إنَّه كذِبٌ، والشَّيخ ابن باز رحمه الله[5] يقول هذا الحديث ضعيف لا يثبُت، وشيخ الإسلام ابن تيمية قال إنَّه شاذُّ،[6] يعني ضعيفٌ لأنَّه يُخالِفُ الأحاديث الَّتي أصحُّ مِنه، فكأنَّه ثقةٌ خالَف الثِّقات، فهو حديث شاذّ حديث ضعيف ،وحسَّنهُ بعضُ أهل العلم كالتِّرمذيِّ.
وبعض أهل العلم يظهر أنَّه صحيحٌ عنده كأبي داود؛ لأنَّه سكت عنه، لكن قال إنَّه منسوخٌ، يعني هو صحيحٌ لكنَّه منسوخ بالأحاديث الَّتي ستأتي إن شاء الله.
والشَّيخ الألبانيُّ رحمه الله صحَّح الحديث، وقال النَّوويُّ: صحَّحه الأئمَّة.
وقد راجعتُ إسناد الحديث مع كلام أهل العلم فتبيَّن لي ـوالله أعلم- أنَّ الحديثَ صحيحٌ، وأنَّه لا مطعن في إسناده، وهو مُحكمٌ ليس بمنسوخ؛ لأنَّه ليس هناك دليل على النَّسخ، لكن يبقى النَّظر في معناه، واستِنباط الحُكم منه.
يقول النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (لا تصوموا يوم السَّبت إلاَّ فيما افترض اللهُ عليكم)، عند ما قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا تصوموا يوم السَّبت" ما الذي يدخل فيه يدخل فيه أنْ نصومه في الفريضة، والفريضة صوم رمضان، النذر، القضاء.
طيب الفريضة خرجتْ بالنَّصِّ "إلاَّ فيما افترض اللهُ عليكم"، فخرج الفرض.
يدخل فيه أنْ نصومه مع غيره، مع الخميس أو مع السبت، وهذا خرج بنصِّ حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، إذْ قال: (لا تصوموا يوم الجمعة إلاَّ أنْ تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده)، وما الذي بعد الجمعة السبت.
إذًا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أباح لنا نصًّا -صحيحًا في الصَّحيحيْن- أنْ نصوم الجمعة ونصوم معها السَّبت؛ إذًا قرنُهُ مع يوم الجمعة خرج بالنَّصِّ.
طيِّب قرنُهُ مع يوم الأحد؟
إذا خرج القرنُ مع الجمعة خرج القرن مع الأحد؛ لأنَّه لا قائل بالتَّفريق، إلاَّ أنَّ بعضَ أهل العلم قالوا إنَّه يُكره أن يصوم السَّبت والأحد لأنَّهما عيدان لليهود والنَّصارى، يعني مِن باب آخر لا مِن باب الحديث.
فبقي أنْ نصومه وحدهُ : أنْ نُفردهُ بالصِّيام؛ وهذا الَّذي فهِمهُ العلماء.
فذهب جمعٌ مِن أهل العلم -مِنهم فقهاء مِن فقهاء المذاهب الأربعة ، منهم المالكية والحنابلة والحنفيَّة - إلى أنَّه يُكره إفراد السَّبت بالصِّيام.
المالكيَّة قالوا بحل صيامه مطلق الذي قالو بكراهية صيامه مفردً هم الحنابلة والشّافعيَّة والحنفيَّة قالو يكره أن يفرد أما المالكية فقالو إنه لا يكره أن يفرد لعدم صِحَّة الحديث كما قال الإمام مالك في الحديث إنَّه كذِبٌ؛ ولذلك المالكيَّة يقولون لا يُكره، لكن الحنفيَّة والشَّافعيَّة -في الأظهر- والحنابلة يقولون إنَّه مكروه.
طيب إذا حملنا النَّهي على الإفراد، النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (لا تصوموا يوم السَّبت إلاَّ فيما افترَض اللهُ عليكم) ، والافتِراض : إذا قُلنا إنَّه صيام رمضان فإنَّه ليس فيه إفراد؛ لأنَّ الإنسان يصوم رمضان كُلَّه، إذًا ما يصلح كلامُكم.
نقول : بلى يصلُحُ لأمريْن:
الأمر الأوَّل:
أنَّ صيام يوم السَّبت قد يقع فيه الإفراد لبعض المؤمنين إفراد السبت أُعطيكم صورًا.
شخصٌ أسلم يوم الجمعة، يوم تسعة وعشرين مِن رمضان، ويوم السَّبت هو يوم الثلاثين ،ماذا سيفعل؟ سيصوم السَّبت فقط، يُفرد السَّبت طيب.
الوجه الأول:
مريضٌ رخصنا له في الفطر، فأفطر يوم الجمعة، ونشط، وقال أُريد أنْ أصوم يوم السَّبت، أنا أفطرتُ يوم الجمعة وأريد أصوم يوم السَّبت، وإذا نشطت الأحد أصوم، وإذا مرضت ما أصوم؛ سيُفرد السَّبت، فحتَّى في رمضان يُمكن أنْ يُفرَد السَّبت.
الوجه الثَّاني:
والعجيب أنَّ الشَّيخ ناصر ذكرهُ، واحتجَّ به على العكس وليس كذلك.
أنَّ ما افترض اللهُ عليكم ليس خاصًّا بصيام رمضان ، بل يدخل فيه النَّذر، ويدخل فيه القضاء، إذًا ما فائدة "إلاَّ في ما افتُرض عليكم.
أنَّه يجوز لكم أنْ تصوموا يوم السَّبت في النَّذر، ويجوز لكم أنْ تصوموا يوم السَّبت قضاءً، فالنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم استثناه ليدلَّنا على أنَّه يجوز أنْ نُفرد السَّبت في الفرض وهو القضاء والنَّذر، إذًاً لا إشكال في الحديث، وهو مُتَّفِقٌ مع الأحاديث الأُخرى.
يا إخوة صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصوم حتَّى يقولون لا يُفطر، بل جاء فى بعض الرِّوايات، حتَّى يقول القائل: والله لا يُفطر.
فإذا كان يسرد الصَّوم، ويُفطر يوم السَّبت، هل يستقيم أنَّهم يقولون: والله لا يُفطر خمسة أيَّام أو ستَّة أيَّام ظاهر الحديث أنَّه يصوم كثيرًا مِن الشَّهر، ويدخل في ذلك السَّبت.
أيضًا صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصوم شعْبان كلَّه إلاَّ قليلاً،[7] جاء في بعض الرِّوايات أنَّه( يصوم شعبان كُلَّه ويصِلَه برمضان)،[8] ولذلك قال بعضُ أهل العلم: إنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان أحيانًا (يصوم شعبان كاملاً)[9] وأحيانًا (يصوم أكثر شعبان)[10]؛ لكن على الوجهيْن هذا يدلُّ على صيام يوم السَّبت تطوًّعًا، وأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصوم السَّبت، يشهد لهذا ما جاء عند ابن خزيمة[11] وغيره أنَّ أكثر صيام النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان السَّبت، والألبانيُّ قال: إنَّ الحديث حسنٌ.
طيب الشَّيخ الألبانيُّ رحمه الله لقوَّة حُجَّته أورد شيئًا، قال: القاعدة عند أهل العلم "أنَّ الحاظرَ مُقدَّمٌ على المُبيح"، قاعدةٌ عند الأُصوليِّين: أن المُحرِّم مُقدَّم على المُبيح.
يقول: فعندنا الأحاديث (لا تصوموا يوم الجمعة إلاَّ أنْ تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده)[12] مُبيحة، ولا تصوموا يوم السَّبت" مُحرِّم؛ فنُقدِّم المُحرِّم على المُبيح، ومشتْ على كثيرٌ مِن النَّاس وهذا في الحقيقة يُخالِف قاعدة الجمهور.
جمهور العلماء يرون أنَّ الجمع مُقدَّم على التَّرجيح، وأنَّ التَّرجيحَ مرحلةٌ ثانية بعد الجمع، فالطريقة عند الجمهور عند التَّعارض، أنْ يُبدأ بالجمع؛ لأنَّ العمل بالأدلَّة ولو مِن وجه أولى مِن ترك بعضها، فيُبدأ بالجمع، فإنْ تعذَّر الجمع قيل بالتَّرجيح، ولم يتعذَّر الجمع هُنا، بل أمكن الجمع بين الأحاديث بحمل كُلِّ حديث على وجه مِن الوجوه.
فهذه القاعدة الَّتي ذكرها الشَّيخ الألبانيُّ رحمه الله لا ترِدُ هُنا؛ لأنَّها مُؤخَّرةٌ والجمعُ مُقدَّمٌ عليها عند الجمهور، المالكيَّة والشَّافعيَّة والحنابلةُ عندهم القاعدة أنَّه يُبدأ بالجمع، هذا أمر.
الشَّيخ الألبانيُّ رحمه الله: لَمَّا جاء يتكلَّم عن قضيَّة أنَّه لو وافق يوم عرفة، لو وافق يوم عاشوراء، قال: طيب لو أنه وافق العيد طبعا لا يُمكن أن يوافق عرفة العيد إن تهينا، لا يكمن أن يوافق عاشوراء العيد والثَّلاثة البيض لا يُمكن أنْ تُوافق العيد-، بقي معنا شيءٌ واحد وهو أنْ يصوم يومًا ويُفطر يومًا، هُنا يقول لنا الشَّيخ الألبانيُّ: لو وافق صيامه يوم العيد هل تقولون له: صُمْ. قُلنا: لا بل يُفطر. قال: فكذلك هُنا.
قُلنا: أوَّلاً يا أخوة مُوافقة الصِّيام ليوم العيد بعيدة جدًا؛ لأنَّه أوَّلاً بالنسبة لرمضان مُستحيل؛ أي لعيد الفطر، فقبْل عيد الفطر كان صائمًا رمضان، أيضًا بالنِّسبة لذي الحجَّة بعيد جدًا؛ لأنَّ ما الَّذي يسبق يوم العيد يوم عرفة، ويبعد أنَّ الَّذي يُحافظ على الصِّيام لا يصوم يوم عرفة، وبالتَّالي سيصوم يوم عرفة ويُفطر يوم العيد، فهذا وروده قليل جدًا.
ولو سلَّمنا فإنَّا نقول هُناك فرقا بين مسألة العيد ومسألتنا؛ لأنَّ مسألة العيد لا يُمكن فيها الجمع، أمَّا مسألتُنا فأمكن فيها الجمع.
ثُمَّ إنِّي أختم بأنِّي باستقرائي لكتب الفقه عند المُتقدِّمين لم أقف على مَن قال بحُرمة صيام يوم السَّبت تطوُّعًا حتَّى ابن حزم ما تعرَّض للمسألة في المٌحلَّى، والمُتقدِّمون لا يذكرون إلاَّ الكراهة، إلاَّ الحنفيَّة قالوا يحرم عليه أنْ يصوم يوم السَّبت إذا قصد التَّشبُّه باليهود، يُكره له أن يصوم يوم السبت مُفردًا، ويحرم عليه إذا قصد التَّشبُّه باليهود، ليس لأنَّه صيام يوم السَّبت ولكن لأنَّه قصد التَّشبُّه باليهود، والقاعدة عند أهل العلم "أنَّه لا يجوز للمُتأخِّر أنْ يقول قولا ليس له فيه إمام"، لماذا لأنَّا إذا جئنا اليوم ونُصْدر أحكامًا ما قالها الأوَّلون، معنى هذا أنَّ الأُمَّة سابقًا كانت على ضلالة، ولا تجتمع أُمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم على ضلالة، فإنْ قال قائلٌ إنَّ الحديث حُجَّة بنفسه، وقد صحَّ الحديث فلَزِم الأُمَّة. قُلنا: بل إنَّ أهل العلم يقولون إنَّ الحديث الَّذي ظاهر إسناده الصِّحَّة إذا أجمعت الأُمَّة على ترك ما فيه فهذا دليلٌ على ضعفه؛ لأنَّه لا يُمكن أنْ تتركه الأُمَّة وهو صحيحٌ، لا بُدَّ أنْ يأخذ به بعض الأُمَّة.
أمَّا في مسألتنا فإنَّ بعض أهل العلم أخذ بالحديث على وجه يحتملُهُ وهو الكراهة، فقالوا بالكراهة.
وعليه يا إخوة فإنَّا نقول: فإنَّه لا يحرُمُ صيام يوم السَّبت إذا وافق عرفة، أو وافق عاشوراء، أو وافق صومًا يصومه الإنسان.
أمَّا إفراده بالصَّوم فقط مِن غير سببٍ فهذا قد نهى عنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وحمله مَن أخذ به مِن
العلماء المُتقدِّمِين على الكراهة.اهـ

"قام بتفريغها"
أبو أنس عبد الحميد بن علي الليبي
عصر الجمعة
بتاريخ 30 / ذو القعدة / 1437 من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
2 / 9 / 2016 ميلادي.
..........................
الحواشي :
[1] أخرجه أحمد (27075)
[2] أبو داود كتاب الصيام باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم (2421)
[3] الترمذي كتاب الصيام باب ما جاء في صوم يوم السبت رقم (741)
[4] ابن ماجه كتاب الصيام باب ما جاء في صيام يوم السبت رقم (1726)
[5] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء الخامس عشر (ص \ 412)
[6] اقتضاء الصراط المستقيم فصل صوم أيام أعياد الكفار(ص 375)
[7] مسلم بشرح النووي كتاب الصيام باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم.
[8] ابن ماجة كتاب الصيام باب ما جاء في وصال شعبان برمضان (1649)
[9] البخاري كتاب الصيام باب صوم شعبان برقم (1970)
[10] مسلم بشرح النووي كتاب الصيام باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم.
[11] ابن خزيمة برقم (2167)
[12] البخاري كتاب الصيام باب صوم يوم الجمعة (1985)

رد مع اقتباس


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق