الثلاثاء، 22 مايو 2018

قصة شفاء الحاكم النيسابوري

قصة شفاء الحاكم النيسابوري

الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام علىٰ خاتم رسل الله، وعلىٰ آله وصحبه ومَن والاه.
أمَّا بعد
قال الحافظ المنذري رَحِمَهُ اللهُ:
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ:
فِي هَذَا الْمَعْنَى(1) حِكَايَةُ شَيْخِنَا الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإِنَّهُ قَرِحَ وَجْهُهُ، وَعَالَجَهُ بِأَنْواعِ الْمُعَالَجَةِ، فَلَمْ يَذْهَبْ، وَبَقِيَ فِيهِ قَرِيبًا مِنْ سَنَةٍ، فَسَأَلَ الْأُسْتاذَ الْإِمَامَ أَبَا عُثْمَانَ الصَّابُونِيَّ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فِي مَجْلِسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَدَعَا لَهُ، وَأَكْثَرَ النَّاسُ في التَّأْمِينِ، فَلَمَّا كَانَ مِن الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى أَلْقَتِ امْرَأَةٌ فِي الْمَجْلِسِ رُقْعَةً بِأَنَّهَا عَادَتْ إِلَى بَيْتِهَا، وَاجْتَهَدَتْ فِي الدُّعَاءِ لِلْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَرَأَتْ فِي مَنَامِهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهَا: قُولِي لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: يُوسِّعُ الْمَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَجِئْتُ بالرُّقْعَةِ إِلَى الْحَاكِمِ، فَأَمَرَ بِسِقَايَةٍ بُنِيَتْ عَلَى بَابِ دَارِهِ، وَحِينَ فَرَغُوا مِنَ بِنَائِها، أَمَرَ بِصَبِّ الْمَاءِ فِيهَا، وَطُرِحَ الْجَمَدُ فِي الْمَاءِ، وَأَخَذَ النَّاسُ فِي الشُّرْبِ، فَمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُسْبُوعٌ حَتَّى ظَهَرَ الشِّفَاءُ، وَزَالَتْ تِلْكَ الْقُرُوحُ، وَعَادَ وَجْهُهُ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ سِنِينَ"[1].
__________
[تعليق أبي رَحِمَهُ اللهُ]:
(1) يشير إلى القصة التي رواها البيهقي، وهي في الكتاب الآخر[2].

"صحيح الترغيب والترهيب" (8- كتاب الصدقات/ 15- الترغيب في إطعام الطعام وسقي الماء/ 1/ 568/ ح 964 (صحيح مقطوع)).



فوائد من القصة:
1¦ شاهدٌ على نوعٍ فريدٍ من الأدوية جاء في حديثٍ حسنٍ لغيره: «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ»؛ "صحيح الترغيب" (744).
2¦ أنّ مِن الرُّؤَى ما يكون تذكيرًا وتنبيهًا، ففي هذه الرؤيا تذكيرٌ بالحديثِ السابق مع حديثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أَنَّ سَعْدًا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَلَمْ تُوصِ، أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَعَلَيْكَ بِالْمَاءِ» رواه الطبراني وهو في "الصحيحة" (2615). والحديثِ الأشهرِ المتفقِ عليه: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ». وعليه؛ فليس فيها تشريعٌ جديد، بل تذكير وتنبيه، فليست للمسلم عُمدة في التقرب إلى اللهِ بسقي الماء، بل عمدته الحديث.
3¦ فضل سقي الماء وأنه من الصدقات، وقد سبق ذكر أحد الأدلة. وتُنظر في الباب المشار إليه أعلاه من "صحيح الترغيب".
وسبحان خالقِ الماء! مهما اخترعوا من مشروباتٍ لِلرِّيِّ لِلطاقة لِلرَّاحة للعلاج، ومهما أبدعوا في ألوانها وطعومها؛ يبقى الماء القراح؛ هو سيّد تلك!
4¦ التوسل بدعاء الصالحين، لا بذواتهم! الأول مشروع، والآخر مبتدَع ممنوع.
5¦ أن الله عَزَّ وَجَلَّ هو وحده الشافي، سبحانه، وهو رازق أسباب الشفاء من الأدوية الحسية والمعنوية.
6¦ في القصة صورةٌ أثريةٌ للطريقة العصريّة في برّادات الماء التي سَبَّلَها أصحابُها بجوار بيوتهم في الأزقّة والزوايا! جزاهم اللهُ خيرًا.
7¦ مَن جاد بالمعروف فليجُد يإكماله! لم يكتف الحاكم أبو عبد الله بالتبرع بالماء، بل حرص على جعله باردًا راويًا لِلغُلَّة، فألقى الثلجَ فيه! فعلى أصحاب تيك البرَّادات أن يتعاهَدوها بالصِّيانة والرَّقابة! ومِن النوايا: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، ويشير إليه ما جاء في حديثِ أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ المتفقِ عليه في الرجُل الذي سقى الكلبَ، فَشَكَرَ اللهُ له فَغَفَرَ له، ففيه أنه قال: (لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي).
8¦ مِن الشواهد الكثيرة على «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ» الحديث رواه الإمام مسلم (2733)، وهذه الأختُ لم تكتفِ بالتأمين على دعاء الإمام الصابوني في ذلك المجلس، وإنما اجتهدت بالدعاء في وقتِ مِن أجلِّ أوقات الإجابة (الليل)!
9¦ حضور النساء مجالس العلم.
10¦ الحياء حسن ومن النساء أحسن؛ فصوت المرأة ليس بعورة إذا خلا مِن الخضوع، لكن هذه المرأة آثرتْ أن تُوْدِعَ رؤياها النافعةَ في رقعةٍ تُلقيها بدلَ كلماتٍ تتلوها! فرحمها الله.

السبت 12 شعبان 1439ه

[1]- "شعب الإيمان" (مَا جَاءَ فِي إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَسَقْيِ الْمَاءِ/ 5/ 70/ ط 1، 1423ﻫ، مكتبة الرشد).
[2] - يعني "ضعيف الترغيب والترهيب" (565).

- سُكَينة بنت محمد ناصر الدين الألبانية في 4/28/2018 [المصدر]


loading...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق